Skip to content

رسالة إلى العالم بعد قراءة مقال اليوم عن سوريا في مجلة Economist

February 26, 2013

“البلد الذي كان يُدعى سوريا”: هو عنوان مقال مجلة Economist والذي نُشر يوم 23 فبراير 2013، أكثر بقليل من ثلاث سنوات منذ تاريخ مغادرتي المملكة المتحدة عائداً إلى دمشق، وحيث قرأت هذه المجلة للمرة الأولى. فطالما كانت سوريا دولة معزولة لدرجة أنّ مجلة Economist تُعتبر بعيدة حتى عن متناول شخص يعمل في مجال إدارة الموارد البشرية وخريج من كلّية الاقتصاد مثلي.

كان ذلك العام الذي قضيته في المملكة المتحدة أطول فترة بقيت فيها بعيداً عن حبيبتي دمشق. وعلى الرغم من أنني وقعت في حبّ هذا البلد الجديد الذي عشت فيه، إلا أنني كنت مصمماً على العودة إلى سوريا. وذلك لم يكن فقط بسبب الاتفاقية التي وقّعتها مع مؤسسة SAID Foundation التي قدّمت لي منحة دراسية لأتمكن من متابعة تعليمي العالي في بريطانيا. حيث نصّت هذه الاتفاقية على أنه يتوجب عليّ العودة إلى منطقة الشرق الأوسط عند الانتهاء من دراستي لأكون عوناً في تنمية المنطقة وذلك حسب ما تقتضيه رسالة هذه المؤسسة وهدفها من تقديم المنح الدراسية. وقد كان هذا الاتفاق هو العذر الذي استعملته كلّما سُئلت عن خطّتي لما بعد التخرج، متحاشياً الإفصاح عن الخيار الحقيقي الذي قمت به ضمناً مدفوعاً بعاطفتي التي غلبت عقلي وهو العودة إلى وطني سوريا.

سوريا، وحالها حال معظم دول المنطقة، هي تلك البلد التي مازال يفصلها هوة كبيرة جداً لتُصبح في مصافي الدول المتقدمة كبريطانيا التي قدّمت لي علماً لم أكن لأحلم به يوماً في بلدي. ولكن، سوريا هي أيضاً تلك البلد حيث الحب والشعور بالانتماء يعوضان ذلك الشعور بالنقص في النواحي الاقتصادية والسياسية التي يطمح لها مُثقّفي ونُخبة المجتمع لا طمعاً بمكاسب شخصية ولكن حبّاً برؤية وطنهم في مكانته المستحقة عن جدارة.

كان هذا خياري، العودة إلى سوريا بدلاً من البقاء في بريطانيا. تلك الدولة المتقدمة التي وإن تميّزت بتطورها الكبير عن سوريا في شتى المجالات، إن لم أقل جميعها، لكنّ الحياة فيها هي حياة عملية دنيوية بحتة خالية من العلاقات الاجتماعية تقريباً، متلبدة المشاعر، تعبق شوارعها بالوحدة التي كان يُمكن لها أن تُمزّق روحي. لهذا كان خياري بالعودة، وهو الخيارُ المجبول بحُبّ دمشقَ وعِشقٍ أبديٍّ لسمائها وأرضها، جبلها وغوطتها، شوارعها وأزقتها القديمة، منزلي وأصدقائي وعائلتي.

حتى أنّ حبّي لدمشقَ قد انتقل كما العدوى لبعض زملائي في الدراسة من البريطانيين والأوروبيين، لدرجة أنّ اثنين منهم قد سافروا فعلا إلى سوريا بينما كنا لا نزال ندرس ونحضّر لامتحانات نهاية العام. كنت كلّما التقيت أشخاصاً جدد، تحدثت إليهم عن دمشق، “أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ وعلى مر العصور، حيث يُحبّ أن يتباهى السوريون بأن مسيحييهم ومسلميهم، ويُضاف إليهم غيرهم من الأقليات العرقية والطائفية، يعيشون جنباً إلى جنب في سلام تام.” وذلك حسب ما ورد في المقال الذي تحدثت عنه بدايةً، ولكن في إشارة إلى أنّ هذه كانت حالنا في سوريا سابقاً وليست حالنا اليوم!

ويُتابع كاتب المقال بأنّ في سوريا “كان الناس يتنقلون في الأسواق بكثافة، والنساء كنّ يبقينّ خارج المنزل حتى منتصف الليل يشعرنّ بأمانٍ تام وإن كنّ وحيدات، والرجال كانوا يلعبون طاولة النرد على الأرصفة مع جيرانهم. كما أن اللهجة السورية كانت قد انتشرت في المنطقة كلها من خلال المسرحيات والأعمال السورية الفنية، ناقلةً معها كرم الضيافة السوري وبساطة الحياة إلى إخوانهم العرب في الدول المجاورة.” كلّ هذا يذكره المقال مستخدماً الفعل الماضي!

إذاً، فإنّ كرم الضيافة السوري قد شحّ اليوم؟ وما عاد يمكن لنا لعب طاولة النرد مع الجيران، والمرأة فقدت شعورها بالأمان إلى غير رجعة؟ والعيش جنباً إلى جنب لكلّ السوريين طواهُ النسيان؟ وماذا عن دمشق؟ هل يُشطب اسمها كأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ أيضاً؟! هل تبقى مدينة مأهولة على الأقل؟ مدينتنا نحن؟ مدينتي أنا؟

بل ويُتابع الكاتب بكل وقاحة أنّه “ماعاد هناك سوريا بعد اليوم”…….

لا سوريا بعد اليوم؟ هل يُدرك الكاتب معنى ما يقول؟ هل يعلم أنّ سوريا هي مركز الكون؟

وإن كان ما يقوله صحيحاً، فأين يُريدنا أن نذهب؟ ألا يعلم أنني اخترت العودة إلى سوريا والتي وإن كانت ماتزال بحاجة إلى الكثير من الجهد والعمل فإنّ الحب والشعور بالانتماء اللذان تُقدّمهما لأبنائها ولغير أبنائها يُعوضان عن الكثير الكثير! أنا هنا لأساعد في بناء سوريا المستقبل وكذلك الكثيرين من السوريين الشرفاء الطموحين الذين يعملون ليل نهار ليمنحوا سوريا مكانتها الحقيقية بين الأمم! أين تُريدونا أن نذهب؟

حتى وإن تمكّنتُ أنا من الذهاب إلى مكانٍ ما، ماذا يفعل بقيّة السوريين؟ ما يقارب المائة ألف منهم قد ماتوا حتى الآن، ومئات الآلاف غيرهم في عداد المفقودين والمعتقلين، والملايين شُرّدوا بعد أن دُمّرت منازلهم. ملايين البشر، أطفالاً وشيوخاً ونساء.

والعالم يراقب….

بل أنّ جزءً كبيراً من العالم يُساهم فعلياً بإبقاء الوضع في سوريا على حاله. ولكنّي لن أتحدث عن الدول والحكومات، والسياسيين، ومجلس الأمن والأمم المتحدة. فأنا لا أؤمن بهم جميعاً. سأتحدث عن البشر، عن النشطاء من الشباب وغيرهم من أولئك الذين غيّروا العالم، ومازالوا يُغييّرون كما أفترض. فيا طالما أدهشتني مبادراتٌ يقودها حفنة من الشباب في بقاع الأرض الواسعة غيّرت وجه التاريخ. أما من أحدٍ هناك ليمدّنا بيدِ العون الآن؟ ولا حتى أنتم؟

هل تجمّد العالم في وجه ما يعصف بسوريّانا؟ هل مات الشعور بالواجب لأن نمد يد العون؟ ولا أتحدث عن الإغاثة وتقديم المعونات الإنسانية وإن كنا بأحوج ما نكون لذلك أيضاً، وللأسف. أتحدث عن حلولٍ لقضية باتت أشبه بلعبة قمارٍ تلعبها الدولُ الكبرى والجائزةُ أنابيب نفطٍ وغازٍ ومناطق استراتيجية وضغوطٍ دولية. أين مُبدعي العالم ونشطائه الذين وفّرت لهم دوَلُهم الحدّ الأدنى من الحياة الكريمة والكثير من فرص التعلم والتطور حتى بات شغلهم الشاغل ابتكار الحلول لمشكلات العالم وأزماته. ألا تستحق أزمتنا بعضاً من جهدكم؟

على كلّ حال، أريد أن أقول شيئاُ في نهاية رسالتي للعالم أجمع، وخاصةً لدول الغرب المتقدم ومن خلالهم لأقزامهم المُمتَهنين في منطقتنا؛ أقزام الجهل والتخلف وعبادة الدولار، أقزام القمع والتسلط واستعباد البشر، أقزام التأسلم والتشرذم ومعاداة المدنية، أقزام الخطب الجوفاء والعقول الخاوية والجيوب المكتنزةَ عرقَ شعوبها. أريد أن أقول شيئا لخبير الاقتصاد كاتب المقال المذكور…

سوريا باقية ما بقي الكون، وستبقى عاصمتها دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ. بل ولن يكلّ، دونَ طموحهم، عاهل السوريين الأوفياء لوطنهم القديمِ قِدَمَ التاريخ، ورجالاته الشرفاء الأبطال أصحاب الملاحم الحقيقية، وأمهاتٍ لن يعرف وطنٌ في العالم مثيلاتٍ لهنّ يحملنّ في أرواحِهنّ قبل أرحامِهنّ مستقبلاً لن يكون إلا مستقبل عزِ وكرامة وحرية فيه التفوق والإبداع كما فيه من الحب والانتماء..

A translation for my previous post ‘A Letter to the World After Reading Today’s Economist Article On Syria’

Advertisements

From → Syria's Uprising

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: